وكالة مهر للأنباء: من فوق أحد المباني المهشمة في مشروع بيت لاهيا شمال غزة، اختلس الشاب أحمد نصار (18 عاما) النظر من وراء شرفة محطمة ورصد الشاحنات والحفارات وهي تنقل الركام يوميا. قائلا: "ها هم نراهم كل يوم ينقلون ركام البيوت، هناك مربعات باتت دون ركام"، مضيفا أنه غير متأكد إن كانوا قد نقلوا ركام منزلهم أم لا بعد.
طمس الأدلة
قال المحامي عمر شلوف من مدينة غزة لمراسل "وفا"، الذي استُشهد والداه في قصف على منطقة الطوابين في حي الشجاعية ولا يزالان تحت الأنقاض خلف ما يسمى "الخط الأصفر"، إن إزالة الركام بهذه الطريقة انتهاك للقوانين والأخلاق يترتب عليها طمس أدلة جنائية تكشف جرائم الحرب أو سحقها.
وأضاف: "يُمنع رفع الركام بهذه الطريقة، وحول الركام وتحته جثث شهداء، وأيضا ربما توجد بقايا صواريخ وأسلحة، كلها تُستخدم كأدلة في المحاكم".
وأعرب شلوف، والد خمسة أطفال يعيش نازحا في أحد المخيمات، عن خشيته من أن تجرف آليات الاحتلال بيته وجثماني والديه وما يحويه البيت من ممتلكات خاصة، مؤكدا أن الاحتلال قصف عدة منازل دون أي تحذير، فاستُشهد كثيرون داخلها وخارجها، ولا تزال جثثهم وممتلكاتهم من أموال ووثائق تحت الأنقاض.
وقال إنه ينتظر أي تحرك سياسي ينسحب بموجبه الاحتلال قليلا إلى الخلف ليتمكن من انتشال والديه ودفنهما قبل أن تجرفهما الآليات.
جثامين تختفي مع الركام
اختفى جثمان جيهان نظير سويلم من مشروع بيت لاهيا في عملية تجريف نفذها الاحتلال بمخيم جباليا، بعد أن قتل طفليها خلال هجومه على شمال القطاع في ربيع 2024.
وقال ابن عمها رامي سويلم، إنها استُشهدت في العاشر من تشرين الأول/ أكتوبر 2024 بقصف طائرات الاحتلال الحربية على منازل مأهولة، ولم يتمكن أهلها من الوصول إلى مقبرة بسبب كثافة القصف فدُفنت في مقبرة مؤقتة قرب شهداء آخرين. وحين عادت العائلة لدفن جثمانها في اتفاق وقف إطلاق النار الأول، لم تجده: "وجدنا المكان مجرفا واختفت الجثة واختفى الركام وكل شيء انقلب رأسا على عقب"، قال سويلم.
وأضاف أنه لا يعلم إن كانت الجثة قد نهشتها الكلاب أو دُفنت أو سرقها الاحتلال أو لا تزال تحت الركام.
وقدّرت مصادر طبية عدد الشهداء تحت الأنقاض في قطاع غزة بأكثر من 8 آلاف شهيد، فيما انتشلت طواقم الإنقاذ والدفاع المدني أكثر من 800 شهيد منذ وقف إطلاق النار في تشرين الأول/ أكتوبر 2025. ومن أبرز مناطق نقل الركام: تل الزعتر وأبو خاطر وبلوكا 4 و5 شرقي مخيم جباليا، ويستمر تدمير البيوت والمنشآت خلف الخط الأصفر حتى بعد إعلان وقف إطلاق النار.
إبادة عمرانية ومساس بذاكرة المكان
قال المهندس المعماري حسين نعيم لـ"وفا"، الباحث في العمارة ودراسات العنف المكاني في سياقات الحروب، إن ما جرى في غزة هو تدمير لشواهد "الإبادة العمرانية" ومساس بالذاكرة المادية للمدينة، موضحا أن الركام شاهد مكاني على الإبادة العمرانية، وأن إزالته دون توثيق منهجي قد تمحو الأدلة المادية التي تكشف حجم الدمار والتحولات التي مست النسيج العمراني والحيز الحضري.
وأشار إلى أن الاحتلال كرر هذا السلوك في القرى الفلسطينية المحتلة منذ عام 1948، حين دمر قرى ومدنا وأخفى شواهد تاريخية على وجودها، من أصل 774 قرية ومدينة سيطر عليها آنذاك في النكبة، دمّر منها أكثر من 531 قرية بشكل كامل.
ولفت نعيم إلى البعد الاقتصادي، واصفا الركام بالثروة الاقتصادية التي يمكن الاستفادة منها، مستشهدا بتجربة عدوان 2014 حين أعيد تدوير الركام بشكل شبه كامل واستُخدم في بعض الخلطات الخرسانية وأعيد استخدام الحديد المستخرج منه، بحيث لم يتبق في القطاع أي جزء من ركام تلك الحرب التي دمرت نحو 20 ألف منزل وقتلت أكثر من 2000 مواطن.
ودمر الاحتلال أكثر من 70% من البيوت والمنشآت في قطاع غزة منذ بدء العدوان في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وفق تقارير محلية وأممية.
سلوك عنصري ومنع للتحقيق
ترفض دولة الاحتلال دخول فرق قانونية وجنائية وصحفية إلى قطاع غزة منذ بداية العدوان. وقال المحلل السياسي المختص بالشأن الإسرائيلي عاهد فروانة، إن نقل الاحتلال للركام سرقة لممتلكات عامة وخاصة للفلسطينيين، ومن المتوقع أن تنقل آلياته رفات الشهداء مع الركام، وهو ما اعتبره انتهاكا إنسانيا صارخا له بعد سياسي أيضا، وكأن المناطق خلف "الخط الأصفر" باتت ملكا لدولة الاحتلال حرة التصرف فيه.
ولفت إلى أن الاحتلال سمح لفرق الإنقاذ بالتنقيب وانتشال جثث أسرى إسرائيليين، بينما يمنع ذلك عن الشهداء الفلسطينيين، وهو ما يعكس سلوكا عنصريا: "منذ الحرب العالمية الثانية وحتى الآن، يجري التحقيق والبحث عن أدلة جرائم في أوروبا، والحقوق لا تفنى بالتقادم، وإخفاء الركام هو إخفاء لأدلة متوقعة".
وعند إعلان وقف إطلاق النار، كانت قوات الاحتلال تسيطر على نحو 52% من قطاع غزة، إلا أن التوسع المستمر رفع النسبة إلى نحو 60% من مساحة القطاع البالغة 365 كيلومترا مربعا.
ممتلكات مسروقة بصمت
قال المواطن محمد شلايل لـ"وفا"، الذي كان يقطن شرق مخيم جباليا ويعيش الآن نازحا وسط القطاع، إن المسألة لا تقتصر على رفات الشهداء رغم أنها الأهم، بل تمتد إلى ممتلكات خاصة مهمة قد تندثر أو تُسرق.
وأضاف أنه هرب من بيته في تشرين الثاني/نوفمبر 2023 تحت القصف، تاركا فيه مبالغ مالية ومصاغا ووثائق ثبوتية كبطاقات هوية وجوازات سفر. ولا ينشر الاحتلال أي معلومة عن مصير هذه الممتلكات المسروقة مع الركام، كما يمنع الصحفيين وغيرهم من الاقتراب من منطقة الخط الأصفر.
ووفقا لتقديرات الأمم المتحدة، تضرر أو دمر حوالي 92% من المنازل في قطاع غزة، أي ما يقارب 436,000 منزل. وتقدر كميات الركام بنحو 50 مليون طن، وهو ما قد يستغرق عقودا لإزالته بالموارد الحالية.

تعليقك